فقرة خارج السياق للكاتب جورج صبّاغ.
كل الحروب وعلى مرّ التاريخ ، تخلّف الخسائر والمآسي والآلام والنكبات والدماء والدموع وإن تحققت إنتصارات.
وهذا ما نعيشه راهنا في هذه الحرب الضروس التي تدور رُحاها على أرض بلدنا ، وكأنه أضحى ساحة مستباحة لحروب الكبار ولتصفية حساباتهم على أرضنا ومحاولات لَيّ أذرعة بعضِهِم البعض ومساوماتهم وتسوياتهم وصفقاتهم، ونحن الشعب اللبناني وبكل أطيافه مَن يدفع الأثمان الباهظة كلٌ وفق موقعه وظروفه وقدراته.
إلا أن أكبر الخسائر واشدّها إيلاما هي (بالطبع) خسارة البشر ” خَلقُ الله تعالى” وهي الخسارات التي لا تعوّض البتّة ، وقد بلغ عدد الذين استشهدوا حتى الآن ما يقارب الثلاثة آلاف وخمسمائة مواطن إضافة إلى حوالى خمسة عشر ألف جريح ومصاب ومعوّق جراء العمليات العسكرية المجنونة والتدمير الواسع والممنهج، (سواء تعرّضوا ظلماً او من خلفية دفاعية وطنية أو إيمانية او عقائدية).
(رحم الله الشهداء وأخلص المواساة لذويهم ونتمنى للجرحى الشفاء العاجل) .
ثاني المعاناة المؤلمة تتأتى من جروح الكرامات جراء الخسارات المعنوية وحالات النزوح القسري تحت التهديدات المفاجئة للمغادرة الفورية وتسيّب الأملاك وتدميرها وخسارة جنى العمر كله كما المقتنيات الثمينة في خلال لحظات (كوميض الصواريخ المنهمرة) الثقيلة والهدّامة.
ورغم قساوة هذه الأوضاع المُربِكة والمُقلِقة ، على مُجملِ الشعب اللبناني من المُنتقلين – النازحين (الضيوف) كما المُقيمين- (المُضيفين) ، تبقى فُسحة أمل تلوحُ في الأفق لوقف الحرب من خلال المساعي الدولية الجارية مع المعنيين في الداخل اللبناني على غير صعيد ، وبالتالي كل تداعيات هذه الحرب الشرسة ممكن معالجتِها على مختلف المستويات ، والخسارات المادية والثروات ممكن التعويض عنها او إعادة تكوينٍِها بالإرادة والتصميم والصبر والجهود والإجتهاد والأمل ، بدءاً بإصلاح البنى التحتية المتضرِّرة جداً مروراً بإستصلاح الأراضي الزراعية وتنظيفها من تلوثِ “الفوسفور” وأثار القذائف وإعادة التشجير كما وإعادة الإعمار للأبنية السكنية المهدّمة ( كأولوية مُطلَقة) من خلال الأموال والمساعدات المعروضة، حيث بلغَ عدد الوحدات السكنية المدمَرة كُلياً حوالى أربعين ألف وحدة سكنية وستينَ ألف وحدة مصدّعة بكلفة مالية مقدّرة بحوالى خمسةَ مليارات دولار الى الآن وفقَ تقديراتِ البنك الدولي، مضاف إليها الخسائرَ المالية ليصبح مجموع الخسائر حوالى إثني عشرة مليار دولار تقريبا حتى تاريخه.
أما الخسارات التي لا تُعوّض مُطلقاً بعد (خسارةِ البشر) ، فهي على التوالي دور العبادة (المساجد والكنائس) الأثرية التاريخية والمعابد والهياكل والصروح والمعالم الضاربة جذورها في التاريخ والتي تعود إلى آلاف السنين (كالكنيسة التاريخية) التي قُصفت في مدينة الشمس (بعلبك) وهي تُجاورُ قلعَتها “الشامخة على مَرّ العصور” والتي تشكل أحد رموز ومعالم السياحة اللبنانية، وهي تُماثلُها في قيمتِها التاريخية والثقافية علاوةً على قيمتها الدينية إضافة إلى الجارة الثانية الأثرية التاريخية (منشية بعلبك) الشهيرة التي تعود ملكيتها حالياً لمديرية الآثار التابعة لوزارة الثقافة اللبنانية .
إضافةً إلى تدميرِ أحياءٍ واسواق وأبنية تراثية تاريخية بأكملها في النبطية وواجهات بحرية اثرية في صيدا وصور وغيرها ،(ولم نسمع اي إدانة او إستنكار او شجب من ايٍِ من الدول مع الأسف)، علماً أنها تُشكل ثروة وطنية ثقافية سياحية ومعظمها مُسجل في منظمة اليونسكو (UNESCO) للأماكن التراثية العالمية بحجارتها المزخرفة والمنحوتة بأزاميل الأجيال المتعاقبة كما وفنون العمارة والبناء والتي (تحكي وتحتضن قصص التاريخ البشري الغابر في حناياها) والتي مرّت في منطقتنا واستوطنت فيها، علاوةً عن أنها تُعتبر أحد أوجه لبنان الثقافيه والتراثية، وأحد أعمدةِ السياحة الوطنية ورافدٍ اساسي للاقتصاد اللبناني .
نختم بتمنياتِنا لوقفِ الحرب فوراً، للحفاظ على ما تبقى كما ولحماية شعبِنا ومقدّراتِه ، مؤكدين ان لبنان هو وطن الحياة المستدامة والمتجددة رغم كل ما أصابه ويصيبه وهو كطائر الفينيق ، يَنفضُ جناحيه بعد كلِ كبوة ويعود للتحليقِ عالياً بكل عزةٍ وفخرٍ وكرامة ،
والسلام .