خاص فقرة خارج السياق للكاتب جورج صبّاغ
الإنقسام العامودي الخطير والمهدِد لوحدة الكيان اللبناني الذي نعيش فصوله على الساحة الداخلية، من خلال المنابر ومختلف الوسائل الإعلامية والمنصات، لا سيما إزاء (الحرب الدائرة وعمليات الإسناد والدفاع ….الخ) يعيد بنا بالذاكرة الى مرحلة الخمسينيات من القرن الماضي حيث سطع نجم الزعيم العربي الراحل جمال عبد الناصر رحمه الله، والذي بات زعيم العروبة الأوحد في حينه دون منازع.
ومن زعامته تعاظم شأن “الناصرية” وباتت المظلة المترامية الأطراف التي تفيأ بها معظم العرب والمسلمين، والبوصلة الوحيدة والأهم لمواجهة قضاياهم على مختلف الصعد والمستويات والتي تقودهم الى بوابة الحلول. وهكذا تمددت(القومية العربية واشتد ساعدها).
على المستوى اللبناني وكونه وطن التعددية الطائفية والسياسية كما واحة للحريات، نشأ فيه بالمقابل حالة مناهضة للقومية العربية تلك( تحت شعار لا شرق ولا غرب) سميت”القومية اللبنانية” وقد رفع لواءها زعماء وقادة مسيحيون الى جانب أحزابهم، بهدف جعل لبنان بلداً محايداً عن قضايا المنطقة من جهة ومنع سيطرة فكرة القومية العربية سياسيا عليه من جهة ثانية.
المسلمون بمعظمهم، إلى جانب “القومية العربية” والمسيحيون بغالبيتهم ينادون “بالقومية اللبنانية”.
(ما أشبه اليوم بالأمس)
لا سيما بالقضايا المختلف عليها.
لن نغوص عميقاً في ما حصل طيلة تلك الحقبة التي شهدت حروبا وثورات وإنقلابات وقيام وحدة بين مصر وسوريا مروراً بإتفاقية القاهرة والوثيقة الدستورية واتفاقية ١٧ أيار وحرب المخيمات والحروب الداخلية بين المكونات والتنظيمات في ما بينها والإنتفاضات وحرب الإلغاء والتحرير وطرح معادلة مخايل الضاهر او الفوضى وإزاحة العماد عون والدخول السوري إلى “المناطق الشرقية”…. إلخ وصولا إلى إتفاق الطائف .
كما ثورة ١٩٥٨ في لبنان التي قادها المغفور له صائب بك سلام إبان نهاية ولاية فخامة الرئيس كميل شمعون رحمات الله عليه والذي بقي في قصر القنطاري حتى آخر دقيقة من عهده.
على أثر نكبة فلسطين عام ١٩٤٨ وأحداث ١٩٧٠ في الأردن حصل لجوء فلسطيني هائل الى لبنان وانتقال معظم الفصائل الفلسطينية مع قياداتهم وقادتهم اليه وفي مقدّمهم منظمة التحرير الفلسطينيه وأركانها، ومحاولات السيطرة المسلحة على الأرض وتقويض مؤسسات الدولة (والسعي الحثيث لجعل لبنان الوطن البديل)، هنا إختل التوازن الداخلي وانفجر الوضع الأمني وبدأت “الحرب الأهلية” عام ١٩٧٥ واستمرت الى العام ١٩٩٠ الى حين انعقاد إتفاق الطائف الذي أضحى دستور البلاد .
ومذّاك ولبنان يعيش في أزمات متتالية ومترادفة الواحدة تلو الأخرى، وبمعظمها بنيوية هيكلية متأتية من أسباب متعددة نذكر أهمها :
١- تعدد مكوناته الطائفية والتي هي حوالى ثمانية عشرة طائفة، مع يقيننا أن الطوائف نعمة والطائفية نقمة.
٢- النظام السياسي الطوائفي المتخلف و(المحاصَصي) وغير العادل وهو الذي يشكل العامود الفقري لكل أزماتنا قاطبةً.
٣- تعاظم إمكانات الطوائف والمذاهب بحيث أضحى لكل منها كيانا شبه مستقل عن الدولة المركزية الضعيفة، فلكل منها (الى جانب مؤسساتها الدينية اوقافها وأملاكها وماليتها ومؤسساتها التربوية من مدارس وجامعات ومؤسسات طبية ومراكز صحية ومستشفيات متخصصة وجامعية ومؤسساتها الإعلامية والتجارية والإسكانية والى جانب الجمعيات الخيرية، لديها ايضاً الكشفية والأندية الرياضية الخاصة بها ….الخ) .
٤- سيطرة الزعامات السياسية والتقليدية وكذلك الأحزاب على الكيانات الطائفية تلك والتمترس خلفها وإستغلالها لمصالح سياسية وخاصة، والأهم والأخطر إمعانهم ببث روح الكراهية تجاه باقي الكيانات، وإشاعة أجواء هواجس ومخاوف من الشريك الآخر، فباتت كل طائفة ينتابها شعور انها مستهدفة وتعيش هواجس” الأقلوية ومخاطر الوجودية” كلها دون استثناء ( علما ان لا اساس لها البتة)، ما جعل هذه الطوائف – الكيانات تتقوقع على ذاتها وتشد ازر جماعاتها وتدفع باتجاه التطرف عوض الانفتاح على الآخر، وذلك نتيجة هذه المخاوف والهواجس المختلَقة).
ما عرضناه حتى الآن ما هو إلا ” غيض من فيض” وهذا ما يدفعنا للتأكيد على أننا ؛
(ما زلنا نعيش في شبه دولة)
كوننا لم ننجز حتى الآن (الهوية الوطنية) الجامعة والموحدة، وهنا نخلص الى القول وبكل قناعة، عبثاً نحاول بناء دولة حضارية إن لم نعتمد نظام سياسي علماني(الدولة المدنية) ساعتئذٍ تتأمن “الوحدة الوطنية ضمن التنوع”، وتزول كل المخاوف المفتعلة وتُحمى كل المكونات في الدولة الحضارية دولة القانون والمؤسسات والعدالة وتكافؤ الفرص والرعاية على مختلف المستويات. ( الدين لله والوطن للجميع).
ما طرحناه ليس حلول سحرية كما ليست مستحيلة، فهي قابلة للتنفيذ متى قرر اللبنانيون ذلك وصَفيت النيات وتطلَعنا الى بناء دولة عصرية، وهذا الطرح ليس مستعان به من كوكبٍ آخر، إنما هو عصارة تجارب ورؤى النُخب السياسية والفكرية والثقافية والعلمية المخلصة، لبناء وطن منشود يتماشى مع العصر وقابل للحياة والإستقرار المستدام ، وأخيراً
“أهل مكة أدرى بشعابها”،
والسلام .