فقرة خارج السياق للكاتب جورج صبّاغ.
أدّت الحرب الشرسة والمدمِّرة على لبنان الى نتائجَ كارثية على مختلفِ المستويات ، من القتل الجماعي والتدمير الواسع المُمنهح وتغيّر معالم بلدات وأحياء مدن بأكملها سوّيت بالأرض الى النزوح القسري الكثيف تحت التهديدات والضغوط النفسية وانهيارات اقتصادية إضافية وتراجع عجلة الأعمال والإستثمارات وتوقُف حركة التصدير وشحّ في الاستيراد وارتفاع اسعار السلع الغذائية كما الدواء وبعض مستلزمات الحياة وتوقّف التعليم، وتزاحم النازحين الى مراكز الإيواء في المدارس والمباني العامة والأديرة ودور العِبادة، في المناطق التي يعتبرونها أكثر أماناً وسواءً حلّوا ضيوفاً لدى الأقرباء او الأصدقاء او باستئجارهم منازل وشقق مفروشة وغٌرف في الفنادق وبيوت الضيافة ( من قِبل المقتدرين ماليا والميسورين)، حتى بات مجمل الشعب اللبناني مقيماً في نصف مساحة الوطن تقريباً.
هذا علاوةً عن بقاء ما يقارب المليوني نازح سوري في هذه البقعة الجغرافية المكتظة (وبخاصة بعد إقفال معظم الحدود البرية بالقصف الجوي)، وهذه المساحات والأقضية تعاني أساسا من تهالكِ في بناها التحتية لقِدمها وعدم تجديدها وصيانتها، مضاف إليها شحّ المياه كما “وضع الكهرباء المعروف” وعدم صيانة الطرقات و قنوات تصريف المياه وازدياد حالات التلوث الجوي المترافق مع موجة الحرائق للاحراج (وبِتنا الآن على أبواب فصل الشتاء) كما وتَضاعُف أعداد السيارات والآليات والمركبات وسوى ذلك.
وقد أثبت الشعب اللبناني خلال هذه الحرب الشرسة والأيام العصيبة انه شعبٌ مقدام ومحب وانساني ووطني ومُضياف ، واحتضن شركائه وإخوانه بالوطن ووقَف الى جانبهم وآزرهُم في هذه المحنة القاسية التي يعيشونها .
إلا أن حالة الإكتظاظ تلك قد تولّد بعض الإحتكاكات او الحوادث الفردية (المتوقع تكرارها) قد تقودنا الى حيث لا تُحمد عقباه ولا نتمناه بكل تأكيد ،إذا ما فُسرت بغير موضِعها وحجمِها، وهذا عائد الى أسباب موضوعية نوجزها كالتالي:
يعاني النازح (او الوافد) اللبناني جرّاء هذه الحرب المجنونة من أزمة نفسية رُكنها وجوهرها الأساس حالة الإحباط نتيجة القتل والإغتيالات والتدمير الممنهج والتهجير الجَماعي بينما كان يعيش بمعنويات عالية وحياة كريمة (نتيجة فائض القوة التي كان يشعرُ بها بوجود القادة الرموز وقبل سلسلة الخسائر التي مُني بها معنوياً ومادياً)، بينما ينتابه الآن شعور بالمهانة بعد فقدانه كل شيء خلال ساعات او دقائق معدودات، وقد أضحى مجروحاً بكرامته إضافة إلى مشقّات انتقاله للإقامة القسرية في بيئات (قد لا تؤيده سياسيا ربما) إنما إحتضنته ومدّت له يد العون بكل صدق ومحبة وقناعة وطنية.
بالمقابل فإن “المُضيف (أو المقيم) ليس أيضاً بحالٍ أفضل من الضَيف” فهو يعيش تداعيات هذه الحرب على مختلف مستوياتها التي ذكرناها في مقدّمة المقال وهو يمرّ بوضعٍ نفسي مُقلق حياتياً ومعيشياُ واجتماعياً وأمنياً (وهو يخشى مخاطر الإستهدافات الحاصلة في مناطقه)،
وبالتالي فإن “الضَيف والمُضيف” كلاهما بحالة نفسية مُتعَبة وكلّ له أسبابه المتشابهة في نواحٍ والمغايرة في أخرى، لذا فالمطلوب وبإلحاح من قبل القادة السياسيين والروحيين “والزعماء المعنيين” وبشكل حاسم أمران اساسيان:
أولهما ضبط التجاوزات والتصرفات (الإنفعالية الطبيعية) والإشكالات الفردية هنا وهناك في هذه الظروف الشديدة الحساسية بسرعة وإنهائها في مهدها،
ثانيهما مراقبة ومتابعة ما يُنشر على وسائل التواصل المتفلّتة من عقالها والتي تُسمم الأجواء وتستفزّ البعض (إذ نسمع ونرى ونقرأ تصريحات حدّاها الشماتة واللوم ، كما والردود عليها بالتخوين والتجريح) وكلاهما مرفوض ومُدان ، أذ هذا التخاطب يؤسس للكراهية ويؤجج البغضاء في هذا الظرف الدقيق وبخاصة من قِبل بعض السياسيين والإعلاميين والمغرّدين والناشرين من أصحاب الرؤوس الحامية والموتورين ، وكي لا نحقق لأعداء لبنان رغبتهم وأهدافهم بافتعال فِتن قد تتحول لا سمح الله الى حرب أهلية مخطط لها بخبثٍ وبأسوأ نوايا مبيّتة ، خدمةً لمشاريع التغيير الكبرى المرتقبة في المنطقة برمتها ( وكما يبشّرنا الشيخ محمد الحسيني بأن الفتنة آتية آتية آتية ) وحيث لا يخرج منها أي طرف منتصراً وفق قناعتنا،
وهنا يأتي الدور الكبير للجيش اللبناني وسائر القوى الأمنية لضبط الاشكالات بتدخلهم الفوري والحاسم ومعالجتها بحزم لمنع تطورها وإتساعها ( لا سمح الله) كما ولمنع العودة إلى نغمة ” الأمن الذاتي” التي تراود أفكار وعقول البعض.
كما نناشد شعبنا كلّه (والإيعاز له من قبل قياداته) التحلي بالصبر وإستيعاب واحتواء بعضنا البعض والتروي واعتماد الحكمة وطول الأنان، رحمةً بالبلاد والعباد، آملين ان تنتهي هذه الحرب المجنونة بأسرع وقت،” الآن الآن وليس غداً، كي تُقرع أجراس العودة “، المبشِّرة بقيامة متجددة للوطن ،
وإن الله مع الصابرين إن صبروا،
والسلام.